إتكاءة على مؤتمر لندن للسلام

الإنتلجنسيا الناعمة وجدلية الديمقراطية والعنف

مدخل :-

ربما سوف تكون مقالتي القادمة نومة كاملة طالما كثرت إتكاءاتي على الإحداث ، خاصة وأن منطقتنا تبدو حبلى بالأحداث في مقبل الأيام . وبقدر ما تحفز الأحداث الشخص على الكتابة لكنها في ذات الوقت تضعف من منهجية التحليل إذ أنها تحصره بين طيات تفاصيلها التي ربما لا تكون متسقة في بعض الأحيان ، وكما يقال في الشعر العربي فإن  أضعف أنواع الشعر هو شعر المناسبات ، إذ تنعدم فيه العفوية وتغلب الصناعة ، ولا يجيده إلا من عجم اللغة وأمتلك ناصيتها ، ليس هذا وحسب بل كما يعلم الجميع فإننا نعيش فترة القوالب والتصنيفات الجاهزة ، والكتابة عن الأحداث عادة في مثل ظروفنا لا تُأخذ في سياقها الموضوعي بقدر ما تكون دليل براءتك لدى جهة ، وإدانتك لدى أخري ، ومن هنا جاءت ضرورة هذا المدخل الذي ربما يتقبله البعض وحتما لن يتقبله البعض الآخر ، رغم كل ذلك أحب أن أؤكد أن هذه المقالة غير معنية بمواقف التنظيمات السياسية من قضية الديمقراطية والوسائل المؤدية لها سلما أو عنفا لأن المواقف السياسية تحتاج إلى منهجية مختلفة للتمييز بين التكتيكي والمبدئي ، ولكن هذه المقالة هي محاولة للغوص في الجذور والمنطلقات النظرية الفكرية لجدلية الديمقراطية والعنف في الفكر السياسي ومن ثم محاولة تنزيلها على واقعنا ، فربما تستفز البعض فيتم إثراء النقاش بشكل أكثر موضوعية وعمقا لجهة حساسية الموضوع وارتباطه بطموحات شعبنا ليس في التغيير وحسب بل في المستقبل ، وكيفية تصورنا له .

هذه المقالة ستتناول الموضوع في إطار بعدين مهمين لجدلية الديمقراطية والعنف ، وهما العنف كحق مشروع ، و العنف كوسيلة في سبيل استرداد الديمقراطية .

استخدام العنف كحق مشروع :-

لعل حالة البؤس والاستبداد السياسي التي نعيشها تدعونا إلى اجترار نظريات العقد الاجتماعي (Social Contract) من لدن توماس هوبز [1] ولوك[2] وإنتهاءاً بروسو [3] وبالرغم من ضعف هذه النظريات كحقائق واقعية تاريخية إلا أنها تظل مهمة لتبرير فلسفة الحكم والدولة ، وهي تتحدث عن عقد بين الجماعة في حالة الطبيعة والفطرة في سبيل ارتقاءها لوضع أكثر تمدنا ، عقد يتنازل بموجبه المجموع عن بعض حقوقه لصالح شخص أو جهة ، وبموجب هذا التنازل تتكفل هذه الجهة بأمن ورفاهية الجماعة .

سعيا لتحقيق تلك الفكرة النظرية شهد التاريخ الإنساني نماذج متعددة ومتباينة لشكل الإدارة والحكم مثل الدولة الدينية الثيوقراطية ، أو القيصرية ، أو الملكية ، لكن معاهدة وستفاليا 1648م وضعت شكلاً جديداً لنماذج الحكم في إطار الدولة القومية ، وجاءت الثورة الأمريكية 1776م ، والثورة الفرنسية 1789م وشعارات العدالة والحرية والمساواة أصبحت الأنشودة التي يرددها الجميع ، وبتضافر أو تكامل هذه الجهود الإنسانية تشكلت أنظمة حكم مختلفة إلا أن وصلنا إلى مرحلة نهاية التاريخ[4] التي اعتبرها فرانسيس فوكوياما نهاية التطّور التاريخي لأنظمة الحكم السياسي بوصولها إلى النموذج الغربي الديمقراطي الحر.

هذه المقدمة تجعلنا ندرك أن فلسفة الحكم في الأصل تتعاطى مع حقوق محدودة تنازل عنها الإنسان لصالح الجماعة/الدولة ، وهو ما يعرف بالخصم من الحقوق الطبيعية لصالح الحقوق القانونية ، والمقصود بالحق الطبيعي هو الحرية المطلقة التي كان يعيشها الإنسان ولا يحده في ذلك سوى عاملى القوة والضعف أمام المنافس ، إذاً عندما نتحدث عن الديمقراطية كنظام حكم يجب أن لا ننسى أننا نتعاطى مع نسبة من الحقوق المحدودة وكيفية تنظيم هذه الحقوق لصالح الجماعة /الدولة ، وبعد ظهور الدولة القومية المبنية على أساس النظرية الواقعية والتي لا تزال جزئيا تحكم واقعنا السياسي جاءت فكرة أن الدولة التي يفترض أن تنظم هذه الحقوق الجمعية المتنازل عنها ، هي الوحيدة التي تملك حق استخدام القوة أي بمعنى أنها التي تملك الشرعية وهو كما يلاحظ حق يتسق مع فلسفة الحكم والحقوق ، ولكن هذا الإطار النظري الذي أعطى الشرعية في سياق محدد ، هذا المفهوم ضمنا ينزع الشرعية عن الدولة في استخدامها للقوة تجاوزا للحقوق المتفق عليها ، أو يعطى ذات الشرعية لما دون الدولة إذا تم التغول على حقوقهم الغير متنازل عنها لجهة استرداد هذه الحقوق . ولأن القانون بكافة أنواعه هو محاولة لتدوين المنطق الذي يتوصل له العقل السليم نجده يقر استخدام القوة في رد الحقوق إذا تجاوزت الحقوق المتنازل عنها ، بل أكثر من ذلك  نجد أن هنالك محاولات مستميتة لشرعنة استخدام القوة الإستباقية لخطر متوقع مع صعوبة التمييز بين المتوقع والمتوهم .

عودا على واقعنا وجدلية العنف والديمقراطية ، ولأننا لا نملك حق صياغة أحداث التاريخ بأثر رجعي ، وكل ما نملك هو تحرير أحداثه ، نقول أن خيار العنف كوسيلة لرد غالب الحقوق الطبيعية كان خيار الشعب الارتري وهو ما أدى إلى خروج حركة التحرير (الحركة) من ساحة الفعل السياسي ، وأصبح الكفاح المسلح شعار المرحلة مستندا إلى الشرعية الثورية ، التي  كانت سمة سائدة بعد منتصف القرن الماضي في معظم إرجاء أفريقيا والعالم الثالث في حقبة ما بعد الاستعمار ، ولم يبحث الكثيرون في إيجاد السند النظري الفكري أو القانوني لشرعية استخدام القوة في تلك المرحلة ، وسميت تلك الظاهرة العنيفة بجبهة التحرير الإرترية ، وهنا يجب التنبيه إلا أنها كانت جبهة للتحرير وليس الاستقلال ، وهذا يعود بنا إلى أن التحرير كلمة أوسع مفهوما وأعمق مضمونا من مفهوم الاستقلال ، فالتحرير مشتق من الحرية ، والاستقلال من السيادة ، ومضمون الحرية سابق لمفهومي الدولة السيادة ، ويعود بنا تلقائيا إلى مفهوم الحق الطبيعي للإنسان ، بينما يعود مفهومي الدولة والسيادة إلى مفهوم الحق القانوني ، وعليه استخدام العنف كوسيلة كان مُبررا نظريا وأخلاقيا طالما أن النظام الإثيوبي تغول على كافة الحقوق الطبيعية منها والقانونية .

الآن وقد تحقق مفهوم الدولة والسيادة ، يعود السؤال ما هو المبرر النظري لاستخدام القوة في وجه الدولة ؟ على مشروعية السؤال وأهميته يجب التنبيه إلا أنه لم يبرز إلا في وقت متأخر من عجلة النضال ضد النظام الدكتاتوري في إرتريا ، ويعود ذلك في تقديري إلا أن المكونات الرئيسية للمعارضة الإرترية قبل عام 2001م رغم تأكيدها على أهمية الإنجاز التاريخي بوجود دولة إرتريا كدولة ذات سيادة وعضو كامل في المجموعة الدولية ،لكنها كانت محكومة برصيدها التاريخي في النضال والذي لم تكن لتقبل المجازفة بتجريب غيره ، كما أنها لم تكن تعول كثيرا على هذه الدولة ، ولم يكن مفهوم السيادة لديها بحيث يتعارض مع استخدام آلية العنف في سبيل استرداد الحقوق المتغول عليها من قبل الدولة الكائنة ، أى بمعنى أكثر وضوحا تعتبرها دولة لا تعبر عنها ولا تحس عميقا بالانتماء إليها ، ولكن بعد الانشقاق العمودي في صفوف التنظيم القائد للدولة جاء إلى صف المعارضة من يقدس هذا المفهوم ويتعامل معه بحذر شديد ، بحيث تراعي كافة وسائل النضال المتبعة عدم إلحاق الضرر بسيادة الدولة ومؤسساتها المعنية بمفهوم السيادة  الحدود ، العلم ، المؤسسة العسكرية... الخ ، أي التزام حرفي بمفهوم النظرية الواقعية التي تعتبر أن الدولة وحدها تملك الشرعية في استخدام القوة . بيد أنه ظهرت في وقت لاحق نخب تحاول تسويق ذات المفهوم وهو ما نشير إليه بمصطلح الإنتلجنسيا . غير أن هذه الإنتلجنسيا لم تبذل جهدا كاف للتعرف على المسوقات النظرية ، أو الاعتراضات النظرية التي تحف جدلية الديمقراطية والعنف ، وهو ما سوف أحاول أن أشير اليه من غير إطالة مملة أو اختصارا مخل في هذه الفقرة .

أن أبرز المرتكزات التي ساقتها الإنتلجنسيا في تبريرها لرفض العنف كوسيلة لمقاومة الدكتاتورية ، هي أن العنف لا يودى إلى نظام ديمقراطي ، وأن الديمقراطية كمفهوم تتعارض مع استخدام العنف ، وهو فرضية صحيحة  لها ما يسندها، ولكن إسقاطها على واقعنا الإرتري يحتاج إلى كثير من الحذر ، ذلك أن ما تنادي به قوى المعارضة التي اتخذت العنف واحدة من وسائلها ليست الديمقراطية وحسب ، لأن البحث عن الديمقراطية كمفهوم للحكم كما ذكرت سابقا هي التعاطي مع الحقوق المتنازل عنها طوعاً لصالح الجماعة/الدولة ، مما يعنى أن هنالك حقوق أساسية لا تقبل التنازل تتعلق بوجود الإنسان وصيرورته ، وبالنظر إلى مطالب الجماعات التي ارتضت العنف حتى وأن طالبت في برامجها السياسية بالديمقراطية ، ولكنها حاجتها في الأصل أعمق من ذلك بكثير ، حيث تعتقد هذه المجموعات أن الدولة الكائنة على أرضها لا تمثلها ، وهي بالتالي لا تحس بالانتماء الوجداني لها في ظل هذا النظام ، حيث تعرض النظام عبر برنامج ممنهج لمكونات الإنسان الوجدانية التي تشكل بعده الروحي ، مثل الدين والثقافة والقومية والتاريخ واللغة ، كما أنه أيضا تعرض لمكون الإنسان الجسدي ونعنى بذلك الأمن والأرض ، علما بأن الأرض سابقة للدولة والسيادة ، حيث كانت تلك الجماعات تمتلك تلك الأرض قبل ظهور مفهوم الدولة ، وكذلك فرص العيش من حيث تكافؤ فرص التعليم كمدخل ومن ثم ما ينبني على ذلك من فرص التوظيف ورخص التجارة وغيرها من أبواب الرزق . إن هذه الحقوق هي مما لا يقبل التنازل ،وهو ما يشار إليها في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين بحق الحياة  ، وهي مما لا يمكن أن يضمنها جزما نظام ديمقراطي ، وحتى نقرب الصورة فالديمقراطية هي حكم الشعب ، ولما كان ذلك متعذرا عمليا أستعيض عنه بالتمثيل ومن ثم حكم الأغلبية ، وهنا تبرز الفرضية فيما لو أن هذه الحقوق ضيعت أو لم تستعاد وفق تلك الوسائل ، أو ماذا لو صودرت الأرض أو غيبت اللغة من خلال الأغلبية برلمانا ً كان أو استفتاء وهي الوسائل المثلى لممارسة الديمقراطية ؟ إذاً الافتراض أن العنف لا يودى إلى الديمقراطية هي فرضية لا تتناسب والواقع. ثم أيضاً نعود إلى سؤال جوهري ربما يعيننا على توصيف الواقع وهو هل ما نبحث عنه بالفعل في هذه المرحلة هو الديمقراطية ، أم أننا مفتونون بالمصطلح ؟ مثلاً دولة كلبنان هل يحكمها نظام ديمقراطي ، ويقينا لو حكمها نظام ديمقراطي بالمعنى المتعارف عليه ستكون دولة شيعية لأنهم يشكلون الأغلبية ، ولكن كل علماء السياسة يجمعون أن لبنان دولة بها حرية وليس ديمقراطية ، ودستور الطائف لا يعدو أن يكون حلاً توافقيا بين مكونات المجتمع اللبناني مراعيا عوامل التاريخ والدين والثقافة والثروة ، عموما هذه ليس دعوة للبنان آخر في إرتريا ولكن فقط الاستفادة من كل النماذج الإنسانية الأخرى ، ولا أعتقد أننا نملك خيارا إذا كنا نبحث عن السلام والاستقرار غير الدولة التوافقية .

العنف كوسيلة فاعلة في هذه المرحلة :-

إذا كانت الركيزة الأولى لدى الإنتلجنسيا تتعلق بالمبدأ ، فإن الركيزة الثانية تتعلق بجدوى الممارسة ومدى تحقيق تلك الوسيلة لأهدافها ، والأسئلة التي تبرز عادة وإن اختلفت صياغاتها تتلخص في انعدام تكافؤ القوة بين النظام  والمعارضة ، وجدوى استخدام القوة في مثل هذه الحالة حيث الخسارة تصبح مؤكدة ، ثم تقييم إنجاز المعارضة في هذا المجال وجدوى استخدام القوة في ظل عدم تأثير القوة على معادلة الصراع طوال عمر المعارضة .

يبدو أن الإنتلجنسيا قد قرأت جيدا في هذا المجال خاصة الكتاب الصادر عن معهد إنشاتين (Albert Einstein Institute  ) لـ جين شارب (Gene Sharp )   وهو بعنوان (من الدكتاتورية إلى الديمقراطية ) (From Dictatorship to Democracy) وهي أطروحة أكثر من ممتازة في الإطار النظري لكنها حتما ليست النموذج المثالي لمعالجة كافة أشكال الدكتاتوريات في العالم ، وعادة ما تواجه الإنتلجنسيا مشكلة كبيرة في تنزيل الأدبيات النظرية على أرض الواقع ، وإذا تنطلق الإنتلجنسيا في تصورها لتكافؤ القوة من نموذج الحرب الشاملة التي تؤدى إلى الاجتياح ، مروراً بنظرية كعب أخيل[5] ( Achilles heel )التي ترى أن القوة هي مركز قوة الدكتاتورية وعلى العاقل تحاشي تلك النقطة ومهاجمة الدكتاتورية في نقاط الضعف ، وهي لا تبتعد في كثيرا من الجنوح إلى تصور الاجتياح الشامل وإزاحة النظام بالقوة.

ليس بخاف أن المعارضة الإرترية التي اختارت العنف كإحدى وسائلها لم تضع نموذج الاجتياح الشامل كهدف لها حيث تدرك قبل غيرها استحالة هذا النموذج ، ولكنها في تقديري تنطلق من تثبيت حقها في الدفاع عن حقوقها حتى وإن لم يتوفر التكافؤ في هذه المرحلة ، وكذلك وهو الأهم  العمل وفق نظرية الأمن مقابل السلام حيث تسعى عبر عمليات نوعية من خلق نوع من الاضطراب الأمني الذي هو من أولويات مسئولية النظام ، أو الإحراج مقابل الاعتراف ، حيث ظل ولا يزال النظام يرفض الاعتراف بالمعارضة ، وتعتقد المعارضة أنها بجنوحها إلى هذه الوسيلة يمكن ان تحرج النظام فيضطر للاعتراف بها نتيجة عوامل داخلية أو خارجية ، وإذا توفر الاعتراف /الشرعية  لا يوجد مخرج سوى الحوار وهو أقصى ما تطمح إليه المعارضة ، والقوة في حقيقتها ليس سوى وسيلة ضغط لجلب الطرف المتعنت إلى طاولة الحوار ، أو لرفع سقف المطالب في مائدة الحوار .

ولكن رغم كل ذلك يفرض السؤال نفسه ، حتى لو ثبتنا أن من حق المعارضة استخدام العنف ، وتجاوزنا نظرية كعب أخيل هل استطاعت المعارضة أن تجبر النظام على الاعتراف ، أو حتى استطاعت أن تسبب له حرج عبر هذه الوسيلة ، الإجابة الواضحة هي أنها لم تستطع تحقيق ذلك ، حتى لم تقترب منه ، وهو ما أجد نفسي منفتحا ، أو مشجعا لإطروحات الإنتلجنسيا حول ضرورة تقييم هذه الوسيلة ومن ثم الحكم لها أو عليها ، لأنه حتى إذا كان من حق الإنسان أن يسير في الطريق الذي يختاره ، فإن العاقل هو من يختار الطريق الذي يوصله إلى هدفه لأن السير في حد ذاته ليس هدف .

ثم ماذا بعد :-

إن نتيجة هذا الجدلية على أرض الواقع هو فجوة كبيرة بين القيادات السياسية التقليدية خاصة قيادة التيارات التي اختارت العنف كإحدى وسائلها وبين الإنتلجنسيا ، وإذا تعتقد القيادات السياسية أن الإنتلجنسيا تعتصم في بروجها العالية وليست مستعدة للاستماع إلى معاناة شعبها بل أكثر من ذلك تعتقد هذه القيادات أن هذه الإنتلجنسيا قد خذلت آمالها في دولة العدالة المتوقعة لصالح نظريات ربما لا تناسب كل الواقع ، من الجهة الأخرى تعتقد الإنتلجنسيا أن القيادات التقليدية لم تتعظ من دروس التاريخ ولا تزال تكرر تجارب الماضي الفاشلة ربما لأنها لا تملك غيرها ، أو لأنها تخشى على مواقعها من الجيل القادم وبالتالي تتقبل كل نقد بناء من الإنتلجنسيا باعتباره مهددا لمواقعها السياسية أو المجتمعية .

ولأن المجتمعات لا يمكنها أن تستغني عن قياداتها التي بنت رصيدا جماهيريا عبر كسبها التاريخي ، أو عبر مواقعها في مجتمعاتها ، كما أنها تحتاج بشدة إلى صفوتها المثقفة في قيادتها المعرفية عبر ضروب الحياة التي تشهد تطورات متسارعة ، فإنه يجب التأكيد إن هذا الفصال بين الفئتين من شأنه أن يجعل معاناة الشعب تتفاقم يوما بعد يوم ، كما أن الأمل في دولة مستقرة تحمل المضامين التي يطمح ويناضل لها شعبنا تتضاءل يوما بعد آخر ، وليس من سبيل سوى التكامل بين الفئتين ، وحتى يحدث ذلك تحتاج الإنتلجنسا أن تكون أكثر واقعية وإحساسا بمعاناة الشعب وأن تنمي قدرتها على امتصاص غضبه وحنقه على الواقع الذي يتمظهر في ظواهر غير مرغوبة تجنح إلى الحلول الضيقة التي لا تتناسب وحجم الوطن ، وأن تتوقف عن محاورة نفسها عبر مؤتمراتها الصفوية التي تحلق فيها في فضاء النظريات التي لا تناسب بالضرورة واقع مجتمعنا كما تأخذ دوافع هذه المؤتمرات في ذات الوقت تفسيرات متباينة في الواقع السياسي تزيد من أزمته وحالة الاستقطاب المدمر التي تمسك بتلابيبه ، ولأن هذه الإنتلجنسيا يفترض أن تكون الأكثر وعيا يجب أن تسهم في حل المشكلات وأن لا تكون جزء منها كما هو حادث الآن ، كما أن على القيادات التقليدية أن تكون أكثر انفتاحا تجاه النقد ، وان ترحب بالمبادرات التي تطرحها الإنتلجنسيا ، وان تتيح لها المجال في القيادة الجزئية لصيرورة العمل السياسي ، أن تتيح لها مجالاً اكبر في رسم الصورة المستقبلية للبلاد لأنها الأكثر تأهيلا في استخدام الوسائل الحديثة في التحليل والتخطيط والبناء وهو حتما ما تحتاجه أي دولة حديثة في طريقها إلى النماء .

لعله من المفيد هنا أن نذكر أنه في الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق كان يوجد تياران أحدهم يرى النضال من اجل تحرير الجنوب ، بينا يرى التيار الآخر النضال من اجل تحرير السودان وفق مفهوم السودان الجديد ، وعندما اشتد الصراع بين التياران قال الدكتور جزن قرنق دعونا لا نختلف في هذه المرحلة الحاسمة وعلى الذين يناضلون من أجل الجنوب أن يتوقفوا في مدينة كوستي[6] ويمكن للآخرين أن يواصلوا مشوارهم ، والعبرة هنا أن ميثاق التحالف الديمقراطي الإرتري الذي ينص على (يتبع التحالف الديمقراطي كل الوسائل المتاحة لإسقاط النظام الديكتاتوري ) يحمل في طياته ما يغنينا عن هذا الجدل الذي لن يوصلنا إلى كوستى الإرترية . كما سيزيد من أزمة الثقة بين قطاعات الشعب الإرتري .

 


توماس هوبز (1588-1679م) وهو صاحب نظرية التنازل عن كل الحقوق[1]

[2] جون لوك (1623- 1704م) وهو صاحب نظرية التنازل عن جزء من الحقوق في مؤلفه (Civil Government )

) Social Contractجان جاك روسو (1712-1778م) وهو مؤلف كتاب العقد الاجتماعي ([3]

The End of History and the Last Man  فيلسوف وعالم في الاقتصاد السياسي أمريكي من اصل ياباني أبرز مؤلفاته هو كتاب [4]

[5] كعب أخيل أسطورة إغريقية عن الأم التي غمست أبنها أخيل في الماء المقدس ومن ثم أصبح الابن محصنا ضد كل الأسلحة ، ولأن الأم عندما غمست الابن كانت تمسك بكعبه استخدم العدو نقطة الضعف هذه التي لم يصلها الماء المقدس ومن ثم صوب سهمه نحو كعب أخيل فأصاب منه مقتلا ، المعنى هو اكتشاف نقاط ضعف العدو.

كوستى مدينة سودانية تقع  بالقرب من الحدود الفاصلة بين جنوب السودان وشماله .[6]